«الرُّهَاب» الاجتماعي منتشر لدى شبابنا بأعلى من معدلاته «العالمية »

img_9604

عاش الترحال جسداً وروحاً وفكراً، قطف من كل بستان زهرة، شكلت المدن داخله ومنحته نوافذ مشرعة لفضاءات أوسع… خاف من القيل والقال فلم يطرق باب السينما والفن واستمر في دراسة الطب…
أبوه ديبلوماسي وعمه أيضاً، لكنه اختار سماع الشكوى والألم… تشعر باحباطاته وتفاؤلاته معاً، لا يمنحك بوصلة واضحة، ما يجعلك تركض معه في كل اتجاه، يلوم مجتمعنا ويستنكر قولبته ويخاف على شبابنا، له ملاحظات كثيرة على حال الطب النفسي في جامعاتنا ومستشفياتنا.
يرفع القبعة احتراماً لعذابات المرأه وقدرتها على تحمل كل ذلك، لا يزال يحلم بالفن وأهله ويرسل إشارات خفية، إنه سيلتحق بعوالمهم قريباً وفي مكان يتيح له حراكاً ثقافياً أكبر.

استشاري الطب النفسي الدكتور فهد اليحيا تحدث مع «الحياة»، فكان الحوار التالي:
> أين أنت… ولماذا هذا الغياب…؟
– هل غمستَ الخبز في تراب الخيل فعاد إليك رغيفاً من الطين؟ أو هل غنيت لذلك الصهيل فامتلأ حلقك بذرات التراب؟ لو فعلت هذا كما فعلت لما سألتني.  أو لعلي أقول:
انكفأ الزمن فأنكفيتُ على ذاتي… كسرت سن الريشة… ثلمتُ سيف دون كيخوت وأحرقتُ ورائي ما وهبته ريح التيه من سفن… وجلستُ أتأمل المرحلة بكل ما يعتلج فيها… ومثل هذا من الصياغات الأدبية المنمقة.
نعم كان هناك انكسار، وإحباط، ومذاق للفشل، وطعم مرارة يطبق على الحلقوم. ولكن بعد أن انقشع المطر، وصحا الجو، وتألق قوس قزح، أقول إني كنتُ – على الأرجح – أمرّ بـ «أزمة منتصف العمر». الآن أتمنى لو أنها كانت حادةً جلية، إذ لن أتوانى عن طلب المساعدة من مختص، ولكنها – ربما لحكمة أجهلها- بدأت ملتوية ماكرة سلاحها التسويف بأن غداً نهار آخر، حتى استحكمت حلقاتها فكان الغياب.

> كونك ابناً لديبلوماسي عريق… هل منحك ذلك شيئاً؟
– لم ينتقل والدي إلى السلك الديبلوماسي إلا بعد دخولي الجامعة، ولو حدث هذا في طفولتي وتنقلتُ معه لربما أثرّ فيّ هذا على نحوٍ ما. بيد أني كنتُ محظوظاً، إذ كان والدي في السفارة البريطانية إبّان دراستي العليا هناك. وشبيه بهذا حدث بالقاهرة حيث كان عمي يحيى ديبلوماسياً في السنوات الأولى من دراستي الجامعية.

> هناك طبيب نفسي… وهناك متخصص في علم النفس ما الفرق بينهما؟
– الطبيب النفسي يتخرج في كلية الطب ويمضي فترة الامتياز ثم يختار التخصص في الطب النفسي Psychiatry ولذا فهو طبيب ويمكنه وصف الأدوية. والاختصاصي النفسي يتخرج في قسم علم النفس Psychology ولكن من الصعب إطلاق وصف اختصاصي نفسي عليه ما لم يتخصص في فرع من فروع علم النفس المتعددة.
وهناك فرعان وثيقا الصلة بالممارسة العيادية: الإرشاد النفسي counseling /العلاج النفسي وعلم النفس العيادي (الإكلينيكي).
الأول واضح من اسمه دوره، أما الثاني فدوره في تقويم الحال النفسية، وتطبيق الاختبارات النفسية المختلفة، والعلاج النفسي. في أميركا يُشترط الحصول على شهادة الدكتوراه في علم النفس العيادي، وفي بريطانيا يجب الحصول شهادة «إم فِل» على الأقل، وهي دون الدكتوراه وفوق الماجستير.

> أقسام علم النفس في جامعاتنا… ما مدى رضاك عن برامجها؟
– مناهج قديمة وأساليب متكلسة! لا أتحدث من فراغ فقد عاصرت عدداً ممن على وشك التخرج يأتون للتدرب في المستشفى، وعلى رغم الحماسة البادية على عدد منهم كان الآخرون كما «الهائمين» في فيلم «ناصر خمير»! أذكر منهم من استفاد من وجود دكتور في علم النفس العيادي في القسم فتعلق بالمستشفى وعمل بعد التخرج متطوعاً لأشهر طويلة. والجانب الثاني لخبرتي في التدريس لدفعات عدة من طلبة الماجستير. الأمر محزن، الكثير منهم يعملون في قطاعات بعيدة عن علم النفس أو مجالات إدارية بحتة ويريدون الماجستير للتقدم على السلم الوظيفي (وهذا حق لهم).
استطراداً، أذكر ثلاثة لم يكونوا ليلقوا لدروسي عن علم الأمراض النفسية بالاً، وأحدهم كان يقول «علم النفس خرابيط .. هذي جن ما هي أمراض» وعندما رسبوا فيه أتوني محتجين!
قلة منهم عملوا في مجال الصحة النفسية وحاولوا تطوير معارفهم بجهودهم الذاتية وبالاحتكاك بزملاء ذوي خبرة، وتقدموا لنيل الشهادة العليا.   في المقابل أذكر في دفعة أخرى طالباً كان مميزاً في علمه على رغم انقطاعه، إذ كان يعمل في شركة الكهرباء منذ التخرج لأنه لم يجد فرصةً للعمل في مستشفى نفسي!
جميع طلبة علم النفس يدرسون المواد ذاتها وبالطريقة ذاتها، فقط قبل التخرج بأشهر يتم توجيههم للتدريب في المدارس أو المستشفيات بحسب رغباتهم. إذاً هي ليست مناهج محددة لأهداف معينة. والحل في نظري يقوم على بضعة عوامل يجب أن تسير متواكبة: تطوير المناهج بشكل جذري، جعل المواد المشتركة للجميع في السنة الأولى فحسب أو حتى إلى الثانية على أكبر تقدير، ثم يكون تحديد الفرع بحسب الرغبة يداً بيد مع اختبار للقدرة، التدريب العملي يبدأ قبل سنتين من التخرج، وأن يقوم بالتدريس في تلك الفروع متخصصون بها بحكم شهاداتهم. بغير هذا ندور في «عجلة» مفرغة تسير كسيحة وتثير الغبار.

> هل صحيح أن ممارسة الطب النفسي في المستشفيات الحكومية أقل نجاحاً وأكثر صعوبة؟
– هذا موضوع يطول، ولكن من المهم التطرق إليه بنوع من التفصيل. هناك مستشفيات حكومية «فرست كلاس» خاصة بقطاعات معينة وأضم إليها المستشفيات الجامعية، وهناك مستشفيات وزارة الصحة وأظنك تعنيها. في الفئة الأولى فقط المستشفيات الجامعية وواحد أو اثنين توجد فيها أقسام نفسية للتنويم، أما البقية فتقدم خدمات العيادة الخارجية.
وعلى كل حال هذه الفئة تقدم خدمات جيدة في بيئة إدارية متطورة نوعاً ما، كما أنها تتعاقد مع اختصاصيين في علم النفس العيادي وممرضين مختصين وغيرهم بسبب مرونة جدول الرواتب فيها. وإضافة إلى هذا تسعى شركات الأدوية إلى دعوة الأطباء فيها إلى المؤتمرات العلمية على مدار العام. أما مستشفيات وزارة الصحة فهي المأكول المذموم مهضومة الحقوق من ظلم ذوي القربى (الوزارة نفسها) وإهمال الآخرين، وهي التي تخدم 75 في المئة من الناس على الأقل. فتعاني من كل المشكلات البيروقراطية التي تلم بمعظم المرافق لدينا. كما أن محدودية سلم الرواتب لا تتيح المجال للتعاقد مع كفاءات جيدة من غير الأطباء، ومع تبني أسلوب التشغيل الذاتي أرجو أن يتحسن هذا الوضع. ومشكلة أساسية – وهي في تقديري مشتركة في الفئتين على وجه العموم – أن كثيراً من الناس ومن ضمنهم مسؤولون في المؤسسات الصحية يظنون أن خدمات الصحة النفسية تقوم على وجود الطبيب الكفء فقط، ولا تتبين أهمية دور الأعضاء الآخرين في الفريق الطبي من اختصاصيي علم النفس العيادي والخدمة الاجتماعية النفسية وغيرهم.
زملاؤنا في مستشفيات وزارة الصحة يعملون بجهد واقتدار ويواجهون ضغط عمل كبير، ومع ذلك هم أقل امتيازات مالية وعلمية من أقرانهم، وإذا كان طبيب مستشفيات الفرست كلاس أو الطبيب «النشط» في القطاع الخاص يلاقي التدليل من شركات الأدوية فإن طبيب وزارة الصحة نادراً ما تشمله شركة أدوية بعطفها فتدعوه إلى مؤتمر طبي. وأرى أن وزارة الصحة ملومة إذ إنها لا تمارس أي نوع من الضغوط على شركات الأدوية لتبني دعوة أطبائها إلى مؤتمرات وحلقات (كورسات) تعليمية.
استطراداً – وهذه مشكلة في الفئتين – لأن شركات الأدوية معنية بالأدوية فقط فإن اهتمامها منصب على الأطباء، بينما بالإمكان الضغط عليها لدعوة غير الأطباء إلى المؤتمرات العلمية ذات الصلة بتخصصاتهم. بل وبإمكانها الضغط عليها لتبني دعوة الإداريين في المنشآت الصحية إلى المؤتمرات المناسبة لهم. شركات الأدوية – وموازناتها تفوق موازنات عدد من الدول مجتمعة – ستقوم بهذا عن طيب خاطر ليس تفضلاً منها بل لأنها في حاجة إلى ذلك فالسوق كبيرة والمنافسة محمومة وتفعل هذا في مختلف أنحاء العالم، ولكنها ليست هيئات خيرية مرهفة الفؤاد رقيقة الحاشية تبحث عن المحتاجين في عقر دارهم.
شيء أسعد خاطري، وبث في أعماقي نوعاً من الأمل، قال لي أحد الأصدقاء والزملاء القدامى، وهو مسؤول كبير في وزارة الصحة، أنه في السابق لم يكن يقدر دور الطب النفسي ولكنه الآن يرى وجوب وجود قسم للطب النفسي في كل مستشفى! أتمنى أن تتبنى الوزارة استراتيجية لتوفير هذا.

> كثرة سماع الألم والشكوى ألا تحبطك كثيراً؟
– حدث هذا بقوة في الأشهر الأولى من التحاقي بقسم الطب النفسي وكنتُ على شفير الاكتئاب وفكرت جدياً بترك هذا التخصص.

> كيف تتسلل إلى داخل النفس وتمسك بالمفاتيح؟
– ليست عملية سهلة. هذا يتم في الجلسات العلاجية التي تتبع الأسلوب التحليلي، وهي رحلة اكتشاف لي وللمراجع معاً إلى أغوار نفسه. دائماً ما أقول للمراجع في جلسة الاتفاق على رحلة العلاج النفسي. أننا – هو وأنا – سنسير في نفق مظلم وهو من يحمل الكشاف بيده ودوري ينحصر في أني أبين له أحياناً أين يسلط الضوء. أسلوب العلاجي التحليلي عموماً يتبع مدرسة «يونج» ولكنه منفتح للاستعارة من المدارس الأخرى.

> هناك نظرية فحواها أن كل رجل هين يعيش مع امرأة متسلطة والعكس صحيح… هل هذا مفاده أن الحياة مع الضدين أجمل؟
– لا أتفق مع هذا الرأي. ما أراه هو التكامل وليس التضاد. لكن يحدث أحياناً أن يتعايش الأضداد بشكل فريد: رجل سادي وامرأة ماشوسية (رأيت زوجاً أجنبياً من هذا النوع) أو رجل متسلط وامرأة تسعد بلعب دور الضحية. بيد أن كليهما استثناء وليسا القاعدة.

> لماذا المرأة الجميلة أقل حظاً وأكثر عذاباً؟
– ألا ترى أن العصافير الجميلة هي التي تحبس في أقفاص بينما تهيم الغربان في الفضاء، أما الطيور اللاحمة فتسمّن للذبح.

> لماذا المرأة في مجتمعنا تكره المواجهة وترفض الاستقلالية وتحب الحلول السهلة، اهو بحث عن الراحة أم ماذا؟
– يفجع الرقيق – على رغم معانـاته وانكسـاره – عندما تدفع به إلى فضاء الحرية من دون تمهيد. خطوة عتق العبيد وتحريم الرق في أوائل الستينات كانت قفزة جبارة، لكن كثيراً من الأحرار حديثاً لم يقبلوا بغير السكنى قرب بيوت أسيادهم السابقين.  هذا مجرد مثال للتقريب ولا أقصد به التشبيه. الوضع الجديد مخيف لكل شخص وهذه من طبيعة الإنسان. ألا تراك تسلك الطريق نفسه إلى مقصدك على رغم الازدحام ولم تفكر في تجربة شوارع أخرى.

إلى متى والرجل يشعر بأن المرأة ملكية خاصة له؟

- حتى يتخلص من خوفه وشعوره بالنقص! في عمر الإنسانية أمضى الإنسان ردحاً طويلاً من الزمن في المرحلة الأمومية تحت سلطة الملكة/الأم في مشاعية بدائية. فقط في مرحلة متأخرة وجد الرجل أن عضلاته تتيح له الكثير فصار الملك/الأب في ملك عضوض. كل مرحلة تاريخية لها ظروفها، وخلاص الرجل من شعوره بأن المرأة جزء من أملاكه عملية لا تاريخية لا تحل بالنصائح والمواعظ.

> يحرمها من دراستها.. يرفض عملها.. يحدد حريتها.. يهددها بأخذ أولادها يمنعها من أهلها.. أليس أسخف ما في الأمر أنها لا تزال تتحمل؟
– لم يحمها المجتمع فحمت أطفالها بوسائلها القاصرة وعلى حساب ذاتها. نحن مدينون لغريزة الأمومة بالكثير ولطاقة التحمل الكبيرة لدى المرأة.

> نريد إحصاءات عن عيادتك.. الفئات العمرية… الأمراض الأكثر حضوراً؟
الشباب من الـ 18 إلى الـ40. بالمناسبة هناك اتفاق عام بيننا من واقع عيادي لا إحصائي أن الرهاب الاجتماعي واضطراب الهلع منتشران لدى الشباب من الجنسين عندنا بأعلى من معدلاته العالمية.

> في عيادتك… لمن كانت الغلبة للنساء أم للرجال من المرضى؟
– لا شذوذ عن بقية العالم: الغلبة للنساء. لكن في المستشفيات عدد الأسرة للرجال يفوق ما للنساء! وأظن أن السبب اجتماعي وليس طبيّاً. صورة الرجل أمام الجميع واضطرابه يبدو للعيان. أما الفتاة فلا يحضرها أهلها للتنويم إلا إذا كان الاضطراب مستفحلاً.

> ألا تتمنى أن يصدر تشريع لفحص نفسي قبل الزواج؟
– لا… بدري عليه.

> المرض النفسي… هل هو فضيحة؟
– لا يزال الناس في كثير من أنحاء العالم ينظرون إليه كنوع من وصمة انتقاص. ربما لأن كثيراً من الشـكاوى النفســية تتعـارض – ظاهرياً – مع بعض القيم مثل الشجاعة وقوة الشكيمة، ولدينا يقول البعض من غير المختصين إنها نتيجة لنقص في الإيمان.

> لماذا فواتير عياداتكم مرتفعة؟
– لا أدري عن الآخرين ولكني سأعتبر صيغة الجمع تفخيماً لشخصي المتواضع. نعم رسومي قد تكون أعلى من غيري ولكني أمضي مع المراجع الجديد وقتاً لا يقل عن الساعة.
ويؤلمني ما يحدث في عدد من العيادات الخاصة، إذ يكتفي الطبيب بعشر دقائق! من حق الطبيب أن يضع الرسم الذي يظن أنه يستحقه، ولكن في الوقت ذاته من حق المراجع أن يكون الكشف عليه كاملاً. في معظم الحالات لا يحتاج الطبيب النفسي المتخصص إلى أكثر من 10 دقائق للوصول إلى تشخيص أو تشخيصات تفريقية، ولكن المسألة الأساسية ليست التشخيص فحسب.

> يشاع أن الأطباء النفسيين يحلون مشكلات الغير ويعجزون عند مشكلاتهم؟
– في زعمي هذه حقيقة وليست إشاعة. في مشكلاتهم الخاصة هم طرف وتسكن أعماقهم انطباعات عن هذا الطرف وذاك ستلون – من دون وعي – تدخله وبالتالي تضيع الموضوعية. من وهو وسط الحريق يتخبط باحثاً عن طريق الخروج، بينما المراقب الخارجي يرى سهولة الوصول إليه.

> هل تقوم المدارس بواجبها تجاه الصحة النفسية للطلاب والطالبات؟
– ولا عشرة في المئة منه.

> تعليمنا الجامعي هل يحتاج إلى عيادة نفسية أم مصحة نفسية أم مستشفى مجانين؟
– يحتاج إلى هوفر كبير للتنظيف يقوده حس أكاديمي عالٍ، وضمير وطني بعيداً عن ضيق الأفق والمصالح الخاصة. هناك ظاهرة خاصة في جامعاتنا، زوجة الدكتور تتحول من إدارية إلى معيدة، ثم تصبح دكتورة و«سيخلفون إن شاء الله دكاترة ودكتورات، ويعيشون في تبات ونبات»، فهو عش أكاديمي للسعادة الزوجية والأسرية.

> كم كان عدد ضحايا الجنس الذين يزورون عيادتك؟
– التحرش الجنسي (أو الإساءة الجنسية) في الطفولة عمل مدمر، وهنا يتجلى كمحور للدمار، سواء كان بالكلمات أو باللمس أو الفعل الجنسي الكامل. وكلما طال أمد هذا التحرش كان أثره قويّاً. وللتحرش الجنسي في الطفولة دوره الكبير في الشعور بالعار والذنب وضعف تقدير الذات ونشوء الكثير من الاضطرابات النفسية واضطرابات الشخصية. ويخجلون من مناقشة هذا مع المعالج، لشعورهم بأنهم مسؤولون على نحو ما.
وفي أحيانٍ كثيرة ينكرون – عبر عملية دفاع نفسي لا واعية – أثره باعتباره تاريخاً مضى، أو أن كثيرين تعرضوا لمثله، بينما هم في الحقيقة ضحايا لبالغين. فالطفل لا يملك القدرة على الاختيار الحر، ولا يرضى بتحرش إلا عبر التهديد أو العنف أو «الرشوة» بالحلوى والهدايا.

> أسلمة الطب النفسي إلى ماذا تعزوها؟
– لا أعرف معنى الأسلمة في العلوم، ولا أعترف بأسلمة للطب النفسي، إلا إذا كانت هناك أسلمة لجراحة القلب. أحد المخضرمين في الطب النفسي لدينا قدم ورقة ذات مرة عن العلاج الجماعي الإسلامي.
عندما يجتمع المرضى يصلون ركعتين ثم تُتلى آيات من القرآن الكريم وبعد ذلك تسير الجلسة مثل أية جلسة علاج جماعي في روما أو بوسطن! أما توسل الدين ومقوماته في العلاج النفسي فهو أمر معروف في جميع أنحاء العالم وكان «يونج» من المستخدمين له مع حالات معينة من مرضاه.

> هل تشعر أن الرقية سحبت البساط من العيادات النفسية؟
– امتلاء دكاكين «الرقية» بالمراجعين قد يؤيد كلامك. ولكني من أنصار استخدام الرقية الشرعية كخط في «معركة» العلاج النفسي مع وجوب تقنين هذه الممارسة ووضع ضوابط لها. هذا الكلام يؤيده بيان المؤتمر العالمي في  ألما أتا 1969 . وأذكر أن للدكتور محمد الصغير أبحاثاً جميلة في هذا الخصوص.

> رواية «بنات الرياض» يقال عنها إنها «عرّت» مجتمعنا… ويقول آخرون إنها افترت عليه… ما رأيك؟
– لا أدري لماذا كانت تلك الضجة المستثارة! نحن جمع بشري على الأرض لا مجتمعاً ملائكياً في السماء. عندما يتناول عمل فني جانباً من الحياة لا يجب أن يكون معيار نقده شيوع أحداثه في الواقع أو ندرتها. لقد قالت الرواية ما نعرف أنه موجود، وما تقول «الهيئة» أنه موجود.

> هل صحيح أن المثقفين هم أكثر الناس الذين يتعذبون نفسياً؟
– يقول فرويد إن المثقف عصابي لأنه أكثر إحساساً بالمتناقضات وأكثر سعياً إلى محاولات حلها. أخاله محقّاً في هذا.

> دائماً ما نردد أن لنا خصوصيتنا ومجتمعنا مثالي و… و… ولكننا نسمع عن زنا محارم وعن تعذيب وهتك للإنسانية… أين المعضلة؟
– لنعترف، أن ثقافتنا السائدة قائمة على البارانويا، فالآخر دائماً يريد الإساءة إلينا ويتربّص بنا، وبالتالي الحل في الانكماش على الذات وإعلان الاستنفار! كل مجتمع في العالم له خصوصيته بمعنى خصائصه العامة وثقافته الاجتماعية الخاصة. لكنها ليست ستاراً حديدياً يمنع التلاقح الثقافي. حتى عام 1982 كانت الإحصاءات الرسمية لدينا صفراً عن إدمان الكحول وتعاطي المخدرات، ثم فوجئنا بمستشفيين لهذه الحالات وكأنها نيازك سقطت من السماء.

> ألا تشعر أن سياسة النعامة تتفشّى في مجتمعنا بشكل كبير؟
– وسبب الكثير من التخلف. منذ سنين كنت في لجنة رسمية لمكافحة المخدرات. وفي أحد الاجتماعات جئتهم باستبيانين أحدهم لطلبة المتوسط والثانوي. لم يحظ اقتراحي بأي دعم حتى من التربوي الوحيد في اللجنة والذي يحمل درجة الدكتوراه! والسبب أنها – كما قالوا – تفتح أعين الصغار على هذه المسائل! قلت لهم إن هؤلاء الأطفال يسافرون إلى الخارج ويحتكون بأجانب من جنسيات مختلفة، ويشاهدون الفضائيات وليسوا أطفالاً يلعبون الكعابة ويركضون بالدنانة وغاية آمالهم رؤية شاطئ البحر.
وتغلبت علي سياسة النعامة. وهي سياسة مريحة والخطوة التي ركنت إليها اللجنة الموقرة أن نقترح عدداً من الكتب التي تتحدث عن المخدرات الموجودة في السوق ونطلب من الجهة المعنية شراءها ثم توزيعها. وبعد ذلك يذهب كل منا إلى البيت للغداء والقيلولة مرتاح الضمير فقد أدى ما عليه.

> الطلاق لعدم تكافؤ النسب أو المذهب… هل هو مرض نفسي أم شيء آخر؟
– مرض اجتماعي. وفي فترة ماضية كنتُ أظن أنه في طريقه وئيداً إلى الزوال. ولكنه عاد بقوة مع نزعة العصبية القبلية ومزايين الإبل. قد أقدر سبب من يتردد في الزواج لعدم تكافؤ النسب حماية لما يقد يصيب أولاده من مضايقات اجتماعية ولكني لا أجد مبرراً البتة لمن يريد التفريق وهدم أسرة قائمة.


> ما قصتك مع السينما… وهل هي مرحلة جديدة في حياتك؟

– لا أظنها مرحلة جديدة، وإنما حب متجدد نهض كالعنقاء من تحت الرماد. أمنيتي أن أشرَك في صناعة فيلم سواءً في كتابة السيناريو أو الإخراج أو المونتاج.

> ما الذي جعلك تخاف أن تهجر الطب النفسي إلى استوديوهات السينما؟
– في مرحلة ما فكرتُ بشدة بقطع دراستي للطب في منتصفها والاتجاه لدراسة السينما لكني جبنتُ أن يقال فشل في دراسة الطب فغير الاتجاه. أحياناً يخامرني بعض الندم، وأتمنى لو ملكت جرأة الدكتور محمد الجاسر نائب محافظ مؤسسة النقد (من دون ألقاب) وكنا معاً في السنة الإعدادية في كلية الطب، لكنه حسم أمره واتجه لدراسة الاقتصاد.
الفيلم السينمائي ليس مشهداً يروق لنا وآخر لا يروق، ولا موضوعاً مسلياً أو مملاً.
السينما مجمع للفنون المرئية والسمعية وذات لغة خاصة وعملية خلق إبداعي متفردة. والأجمل أنها تضافر جهود جماعية. وأوضحت بعضاً من هذا في كتاب عن السينما سيصدر قريباً بإذن الله.

> الجنون إبداع… لماذا نتعامل معه مرضاً نفسياً أحياناً؟
– ما مصدر هذا الانطباع! هل هي مقولة: الجنون فنون؟ كلمة فنون تعني أنواعاً أو أشكل، وليست جمعاً لمفردة فن. هناك بعض المفكرين والفنانين انتهوا إلى مصحات لكنهم لم ينتجوا شيئاً بعد ذلك. لا يمكن للجنون – مع تحفظي على هذه الكلمة – أن يقدم إبداعا فنيّاً، «المجنون» ليس بقادر على الإنتاج المتكامل.
جانب آخر قد يتميز بعض الفنانين مثل جورج برنارد شو بالشذوذ في بعض التصرفات (Eccentric) هو خروج عن المألوف وليس ذهاباً للعقل. فالمعيار المستخدم لتحديد ما هو طبيعي (Normal) أو غير طبيعي معيار إحصائي فحسب. ما يفعله 66% من الناس هو الطبيعي لأنه عام ومألوف. بعض الفنانين – مثل أرنست همنغواي وصلاح جاهين- يعانون من اضطراب «الهوس الاكتئابي» ولكن هذا ليس شرطاً.

> يشاع أن هناك من يسرقك من العيادة النفسية… هل هناك ما يلوح في الأفق؟
– ليست سرقة، إن حدثت. هي أقرب أن تكون «مسياراً» للروح إذا كانت العيادة زواجاً للعقل.

أحلم بفيلم سينمائي تدور أحداثه في الخرمة

< يتحدث الدكتور فهد اليحيا عن أثر المدن في تشكل كوامنه فيقول: «للقصيم وحائل ارتباط وجداني ونوع من النوستالجيا الغامضة في مستوى اللاوعي. مكة مسقط رأس والدي وإقامة للأسرة الكبيرة حتى قرار جدي بالإقامة في الطائف.
لكني أمضيتُ في مكة سنةً دراسية (رابعة ابتدائي) حينما ابتعث والدي لدراسة الماجستير، ولم تكن تلك سنةً ممتعة وتسقط كثيراً من سلة الذكريات».
ويضيف: «الفيحاء كانت أول تعيين ديبلوماسي لأبي وكنت أزورهم من القاهرة، ثمة شيء تجاه دمشق: لم أتبين وجهها الذي قرأت عنه كثيراً ويبدو لي أنها بحاجة لوقت طويل لاستعادته». واصفاً باريس بالحميمة والدافئة «على رغم نظرات الازدراء لمن لا يتحدث بالفرنسية ويتوسل الإنكليزية للتواصل. مقاهيها المتناثرة في كل زاوية وعلى الأرصفة، مراكزها الثقافية والمتاحف وعبق عصر الأنوار، وفيها حضرت للمرة الوحيدة في حياتي أسبوع الرقصات الشعبية في الخليج، وآلمني أن الجانب السعودي كان باهت الحضور على رغم تعدد الفلكلور وتنوع ألوانه لدينا».
ويتابع: «لندن حالة خاصة، ليست هي الهايد بارك وليستر سكوير، بل مدينة عالمية تتعدد فيها الثقافات والنشاطات وفيها رأيت من فولكلور أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية ما لم أكن أحلم برؤية نصفه».
ويحن الدكتور فهد للطائف فيتحدث عنها بعشق «في القلب بصمات قوية للطائف مهد الطفولة ولطعمها الذي اختفى، ولم تنقطع العلاقة بالطائف بعد الانتقال إلى الرياض، لأن الطائف كانت المقر الصيفي للحكومة. وعندما زرت الطائف آخر مرة أسفت لغياب ذلك الألق وبدت الطائف أمامي كأرملة تبكي العمر الجميل.

الرياض كانت شيئاً آخر، الرياض والقاهرة. أنا رجل يقتلني الحنين وكثيراً ما تتلبسني حالة وجد صوفية عندما تكر سبحة الذكريات. الخرمة وُلدت فيها وكذلك أختاي حيث تعفرنا بأديم الخرمة، أخي فقط وُلد في الطائف. على رغم أن أطول إقامة في الخرمة لم تتجاوز أشهراً عدة وكلها كانت زيارات لجدتي إلا أن لها مذاقاً خاصاً تحت اللسان لم يزل».
وتتواصل أحلامه مع مهد طفولته فيحلم  «بفيلم سينمائي تدور أحداثه في الخرمة التي أعرفها: صوت ماكينات الماء في الصباح الباكر، ماجد الذي كان ينتظر قطعان الماعز في الساحة للمسراح. ووقع أظلافها راكضةً إلى البيوت، صوت منادٍ يتعالى في الأزقة أحياناً: «يا من عيّن العنز… جزاه الله خير».
ويسلط الضوء على ملامح المجتمع تلك الفترة «لن انسى النقاشات التي كانت تدور بين الكبار في «الدورية» كل ليلة. النساء اللاتي كنّ «يسيّرن» ليلاً على بيت جدتي، يتابعن أغاني سلوى الأردنية وفي ظنهن أن سلوى هي «راعية القصيدة» وبالتالي أغانيها تحكي عن حياتها والجدل بينهن عمّا سيحدث لاحقاً.  فسلوى تقول «أوف يا يابه شردان ما أريده» وهو ابن عمها، وأبوها يريد إجبارها على الزواج منه، وعندما ضيّق عليها أبوها الخناق هددت: «لأطلع عا راس الجبل والوح بردوني». وأحاديث مرعبة لذيذة عن الجن الذين يتربصون بالناس حول المقابر وفي «الهبايا» و«العدامات» بل ويقاسمونك الحياة ليلاً. وعندما دخلت الكهرباء الخرمة بناء على جهود أهلية كانت من أذان المغرب حتى منتصف الليل، استغل أحد الشبان الأسلاك ليبث منها إذاعة الخرمة ساعةً واحدةً كل ضحى! الخرمة التي أعرفها غابت والحالية أنكرها ولم يبق إلا تلال الحنين».

سيرة ذاتية:

> فهد سعود أحمد اليحيا.
> استشاري الطب النفسي.
> تخرج في كلية الطب عام 1982.
> حصل على شهادة البورد في الطب النفسي من جامعة لندن عام 1990.
> حصل على شهادة البورد الأردني للطب النفسي عام 1989.
> رئيس قسم الطب النفسي بمستشفى القوات المسلحة من 1997 حتى 2000.
> استقال من العمل الحكومي عام 2000. ويعمل منذ ذلك الوقت في القطاع الخاص.
الكتابة والنشر
> ترجمة كتاب «لكي تنجز أهدافك» تأليف بول هوك عام 1993.
> المشاركة في كتابة فصل في كتاب «خدمات الصحة النفسية حول العالم» (بالإنكليزية)، عام 1992.
> المشاركة في كتاب «العلاج النفسي وتطبيقاته في المجتمعات العربية» مع الدكتور قتيبة جلبي عام 1995.
> المشاركة في كتاب «الدليل الوطني للصحة النفسية في عيادات الرعاية الأولية» الصادر عن وزارة الصحة (بالإنكليزية) 1997.
> كتاب «كيف تصنع فيلماً: مدخل إلى فن السينما» تحت الطبع.
> كتاب «تعالوا نرصد النجوم ونرقب السماء» (قيد الإعداد).

التدريس والتدريب
> المشاركة في برنامج الزمالة السعودية للطب النفسي.
> المشاركة في تدريس طلبة الماجستير في علمي النفس والاجتماع. جامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية.